القائمة الرئيسية

الصفحات

تجربة قصصية: تحت المطر


man-walking-in-rain-memory-story.jpg

كان المطر ينزل بهدوءٍ متوازن؛
ليس غزيرًا يدفعك للاختباء، ولا خفيفًا يُنسى بمجرد التوقف.
مطرٌ يشبه الذكريات… حاضر، لكن بلا ضجيج.

خرجتُ أمشي بلا مظلة، كأنني أختبر صدق الذاكرة أكثر مما أختبر برودة الماء.
الشارع بدا وكأنه يعرف قدميّ؛ أو هكذا خُيّل إليّ.
كل خطوة كانت توقظ حجرًا قديمًا في الرأس، فكرة منسية، أو صورة لم تكتمل.

في الحاضر، الشارع ضيق،
مصابيحه صفراء متعبة،
وواجهات المحلات مغلقة بوجوهٍ معدنية صامتة.
الهاتف في جيبي يهتز بإشعارات لا أفتحها،
فالوقت هنا يُقاس بالدقائق… لا بالدهشة.

ومع أول قطرةٍ ثقيلة ترتطم بجبيني،
ينفتح بابٌ آخر.

أعود طفلًا.
الزقاق أوسع مما هو عليه الآن، لأن الأشياء في الطفولة تتسع بالخيال.
المطر كان احتفالًا،
نخرج إليه حفاة،
ونقيس الشجاعة بمن يطيل الوقوف تحت السيل.

كانت أمي تصرخ من النافذة،
لا خوفًا علينا بقدر ما هو حرصٌ شكليّ،
وكانت ضحكتنا أعلى من أي نداء.

أعود للحاضر عندما أتعثر بحافة رصيف مكسورة.
أضحك وحدي،
ضحكة قصيرة، محسوبة،
كأنها اعتذار لصورةٍ انكسرت فجأة.
أواصل السير.
المعطف يثقل بالماء،
والذاكرة تخفّ.

في منتصف الشارع،
حيث تتقاطع الأزمنة دون إشارات،
يتغير المطر.
يصبح أسمك، أكثر إصرارًا.

تقفز بي الخطوة إلى الشباب.
لا ركض هذه المرة،
بل مشيٌ متعجل،
وحديثٌ لا يسمعه إلا المطر.

كانت المدينة أكبر من أحلامنا،
وأصغر من طموحنا.
كنا نعتقد أن كل الطرق تؤدي إلى شيءٍ يستحق.
كنا نبتلّ ونضحك،
لأن البلل كان دليل حياة،
ولأن الغد لم يكن بعدُ فاتورة مستحقة.

يمرّ بجانبي شابان الآن،
سماعات في آذانهما،
وأعينهما غارقة في شاشات صغيرة.
لا يرفعان رأسيهما للمطر.

أتساءل:
متى صار الماء خلفيةً لا حدثًا؟
ومتى احتجنا شاشةً لنشعر بشيء؟

أقف عند معبرٍ للمشاة.
الإشارة حمراء.
الانتظار يعيدني إلى نفسي الحالية:
رجلٌ يعرف كم كلّفته السنوات،
ويحسب خطواته كي لا يوقظ ألمًا قديمًا في الركبة،
أو سؤالًا أقدم في القلب.

هنا،
المطر ليس احتفالًا،
ولا وعدًا،
بل مرآة شفافة تُظهر ما بقي.

تتحول الإشارة إلى خضراء،
وفي اللحظة ذاتها تمرّ سيارة مسرعة،
فتحدث رشة ماءٍ مفاجئة،
صفعة باردة توقظني من الداخل.

يعود الزمن دفعة واحدة، بلا استئذان.
أرى الطفل يقفز جانبًا ويصرخ فرحًا،
وأرى الشاب يضحك لأن البلل صار حجةً للاقتراب،
ثم أعود رجلًا،
أمسح وجهي بكفّي،
وأتنفس بعمق.

أكمل العبور،
وقد أدركت أن الجولة لم تكن في الشارع فقط،
بل في زمنٍ يمشي معي تحت المطر…
يأخذني بعيدًا،
ثم يتركني هنا،
أكثر بللًا،
وأكثر واقعية.


.حميد الع


تعليقات