القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: إفطارٌ على قضبان الزمن

 
تجارب قصصية: إفطارٌ على قضبان الزمن



في مساء ربيعي من أيام رمضان، وقف محمد أمام محطّة القطار في مدينة صغيرة، يحمل حقيبته المتواضعة وقلبه الممتلئ بشوق العودة إلى العاصمة. كانت الأجواء صافية، والهواء يحمل رائحة المساء الرمضاني، بينما تتصدّر الشمس آخر خيوطها الأفق.


  مقابلة مهمة قد تغيّر مجرى حياته


ركب القطار، وجلس بجانب نافذة كبيرة تطلّ على الحقول الممتدة كاللوحة الزيتية. دقائقٌ وبدأ القطار ينطلق. وعلى فَجْرِ المسافات، بدأت الأحداث بالظهور كفصول من رواية لم تُكتب بعد.


الركّاب… كلٌ يحمل قصة


كان إلى جانبه فتاة ترتدي حجابًا أبيض، تراجع ملاحظات لرسالة الدكتوراه على كمبيوتر صغير؛ تشرح أصوات النقر أنها تسابق الوقت قبل الإمساك بالإفطار. في المقعد المقابل، شخصٌ مسنٌّ يقرأ القرآن بصوت خافت وهو يحدّق خارج النافذة وكأنه يسترجع ذكريات شبابه.

أمّا في المقصورة القريبة، كان هناك ثلاثة شباب يصطحبون آلة عودٍ صغيرة ويخططون لإقامة جلسة إفطار رمضانية صغيرة في آخر القطار — أرادوا صنع أجواء احتفالية مع المسافرين!

ببطء، يبدأ المساء بالهبوط، ومعه يزداد صوت القطار هدوءًا وإيقاعًا، حتى اقترب موعد الإفطار.


الغروب يلوّن السماء… وقلوب الركاب


تغيّرت الأجواء عندما أعلن صوت القطار التقديري:“تبقّى 10 دقائق على أذان المغرب.”

ارتفعت الهمم، وتبادل الركّاب نظراتٍ وقصصًا صغيرة عن رمضان، ولأول مرّة شعر محمد أن جسده لا يسافر وحده… بل قلوبٌ كثيرة تسافر معه في هذا الركب الرمضاني.

 

لحظة الإفطار…


قبل دقائق من الأذان، بدأ صوت العود يعزف في الممر، وتجمّع الركّاب حول بعضهم كأنهم عائلة واحدة في سفرة كبيرة. أخرج  الرجل المسن تمره ووضعه في وسط آنية صغيرة من الخزف الصيني الأبيض بين المقاعد. الفتاة أخرجت زجاجة ماء، الشباب أعدّوا أطباقًا صغيرة من التمر والخبز، و محمد … لم يتذكّر متى توقف قلبه عن الخفقان.

ومع أول صوت آذان المغرب من مكبّر صوت القطار، تجمّع الجميع في صمتٍ جميل… ثم بدؤوا  يفطرون. تمر، ماء، ضحكات صغيرة… وتبادل التهاني.

لكن الأغرب لم يحدث بعد.


حدثٌ غير متوقع…


انطفأت أنوار القطار للحظات قصيرة. في تلك اللحظة، سقطت أوراق صغيرة من أعلى المقصورة!

كانت رسائل صغيرة مكتوبة بخط يدٍ جميل، وكل واحدة تقول: “رمضان… موعدنا أن نتقاسم الرحلة قبل المقصد.”

نظر محمد إلى الركّاب، وإلى الأوراق التي تساقطت حولهم كأنها أسئلة الحياة نفسها.

 

 الوصول إلى العاصمة…


مع وصول القطار إلى المحطّة، ارتفعت أضواء المدينة كأنها تُهدي ضوء الأمل لكل من نزل:

الرجل المسن ابتسم وقال: "لقد رأيت الكثير من الغروب والشروق… لكن هذا الإفطار على قضبان القطار، هو أجمل ما رأيت."

الشباب رفعوا أيديهم مودّعين بابتسامةٍ عذبة.

وانتهت الرحلة… أما الذكريات؟ فهي باقية كأنها وعدٌ رمضاني بأن كل رحلة، حتى في الصحراء أو على القضبان الحديدية، يمكن أن تتحوّل إلى قصة تستحق أن تُروى.


حميد الع.

تعليقات