القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: "عند واجهة الزجاج… حين انتبهنا لمرور الزمن"

 

وسط صخب الشارع وتسارع خطوات الناس، يكتشف الصديقان أن الحياة تغيرت كثيراً، وأن الزمن أصبح يمضي أسرع مما نشعر به. ومن خلال لحظة تأمل في انعكاس وجهيهما على الزجاج، يكتشفان أن السنوات مرّت بصمت حتى اشتعل الشيب في الرأس واللحية.



كان المساء يهبط ببطء على وسط المدينة، والشارع يغلي بحركة لا تهدأ. الأضواء المعلقة فوق واجهات المتاجر تلمع كأنها نجوم صغيرة، نزلت لأشارك الناس فرحتهم بقرب عيد الفطر. 


أمام متجر لبيع الملابس، وقف الناس في صفوف غير منتظمة، وكل واحد منهم يحمل في عينيه رغبة قديمة: أن يدخل العيد بثوب جديد.


كنت أقف على الرصيف المقابل أراقب المشهد، حين وقع بصري على رجل يقف أمام الواجهة الزجاجية للمتجر يتأمل القمصان المعلقة خلف الزجاج. كان يحدّق فيها طويلاً كأنه لا يرى الأقمشة بقدر ما يرى شيئاً بعيداً خلفها.


اقتربت خطوة… ثم خطوتين…
وفجأة تعرفت على ملامحه.

إنه محمد.


ناديت اسمه، فالتفت نحوي بدهشة سرعان ما تحولت إلى ابتسامة واسعة. صافحني بحرارة، تلك المصافحة التي تختصر سنوات طويلة من الغياب.


قال وهو يضحك:
—
لم أتوقع أن ألتقيك هنا!


أشرت إلى الواجهة الزجاجية وقلت:
—
يبدو أنك منشغل بالتأمل أكثر من الشراء.


ابتسم وقال وهو يعيد نظره إلى القمصان:
—
كنت أفكر فقط… كم تغيّر كل شيء.


سرنا معاً قليلاً وسط الشارع المزدحم. السيارات تمر بسرعة، والناس يعبرون الأرصفة وهم يحدقون في هواتفهم، والباعة ينادون على بضاعتهم بصوت مرتفع.


قال محمد وهو يتأمل الزحام:
—
أتذكر أيامنا حين كنا نأتي إلى السوق قبل العيد؟
كنا نقضي ساعات طويلة نختار قميصاً واحداً فقط.


ضحكت وقلت:
—
بل كنا نرتديه في البيت كل يوم لنجرّبه… ثم نعيده إلى الخزانة حتى ليلة العيد.

هزّ رأسه مبتسماً، ثم قال بنبرة فيها شيء من التأمل:
—
اليوم أصبح كل شيء أسرع…


الشراء أسرع… العمل أسرع… وحتى الحياة نفسها أصبحت تجري كأنها في سباق.

وقفنا عند زاوية الشارع. المكان نفسه الذي كنا نمر منه ونحن صغار، لكن الوجوه تغيّرت، والمحلات تبدلت، والشارع نفسه أصبح أكثر صخباً.


قال محمد:
—
الغريب أننا نعيش كل هذه التغيرات يومياً… ومع ذلك لا نشعر بها.

نظرت حولي وقلت:
—
ربما لأننا مشغولون بالركض مع الزمن… فلا ننتبه أنه يركض داخلنا أيضاً.


اقتربنا مرة أخرى من واجهة متجر مضاءة بقوة. انعكس وجهانا على الزجاج كمرآة صامتة. وقف محمد لحظة يتأمل الانعكاس، ثم مرر يده على لحيته وهو يبتسم ابتسامة هادئة.


قال:
—
انظر… متى اشتعل الشيب في رؤوسنا؟

نظرت إلى صورتي في الزجاج أيضاً. خيوط بيضاء كانت تختبئ بين الشعر واللحية دون أن ألاحظها من قبل.


ضحكنا معاً… لكن ضحكتنا هذه المرة كانت أبطأ، وكأنها تحمل اعترافاً خفياً بأن السنوات مضت أسرع مما توقعنا.


مرت الأعوام ونحن نظن أنها مجرد أيام عادية.
كبرت المدن… تسارعت الحياة… وتبدلت الوجوه…
لكن الزمن كان يعمل بصمت داخلنا.


بعد لحظة صمت، قال محمد:
—
يبدو أننا كنا نظن أننا نكبر ببطء… لكن الحقيقة أن الزمن كان يمضي مسرعاً ونحن لا ننتبه.


صافحني واستعد للانصراف. تابعته بعيني وهو يختفي شيئاً فشيئاً وسط الزحام، بين أصوات الباعة وضحكات الأطفال الذين ينتظرون العيد.


بقيت واقفاً لحظة أمام الواجهة الزجاجية نفسها التي كان يتأملها قبل قليل. رأيت الناس يدخلون المتجر ليشتروا ملابس العيد بفرح، كما فعلنا نحن يوماً ما.


لكن فكرة واحدة فقط بقيت تدور في رأسي:

نحن نظن أننا نشتري ثياباً جديدة كل عيد…
بينما الحقيقة أن الزمن هو الذي يبدّلنا نحن، عاماً بعد عام.


وأدركت، وأنا أتابع خطواتي بين الزحام،
أن الزمن لا يتوقف أبداً…

وأن العمر…كان يمضي بهدوء،
بينما نحن مشغولون فقط بالحياة.



سؤال للقارئ:


هل سبق أن توقفتَ لحظةً أمام واجهة زجاجية أو مرآة عابرة، فاكتشفتَ فجأةً أن الزمن قد مرّ أسرع مما كنت تظن؟
وما اللحظة التي شعرتَ فيها لأول مرة أن السنوات لم تعد تمشي… بل تركض؟


حميد الع.





تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق