القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: عبد الجليل ورمضان: حين أيقظه الأذان من فوضى العمر


"في ليلة هادئة… لم يتغير العالم، لكن قلبًا واحدًا عاد للحياة."


 لم يكن عبد الجليل ضائعًا… بل كان ميتًا وهو يمشي.

يمشي بين الناس، يضحك أحيانًا، ينفق بلا حساب، ويسهر بلا هدف… لكن شيئًا في داخله كان خامدًا، كجمرٍ نُسي تحت الرماد.

لم يكن يعرف أي يوم هو، ولا أي شهر، ولا حتى لماذا يستيقظ كل صباح.
كانت حياته تتآكل بصمت، لا ألم فيها يكفي ليوقظه، ولا أمل يكفي ليعيده.


إلى أن جاءت ليلة…
ليلة لم يحدث فيها شيء استثنائي في نظر العالم،
لكنها كانت كافية لتُعيد إنسانًا من الغياب.


كان عبد الجليل يعيش كريشة في مهب الريح. لا وقت محدد لنومه، ولا وقت ثابت لطعامه. يترك أموره للصدفة، وينفق بلا حساب، وكأن الأيام أمامه بلا نهاية. كان يشعر أن الحياة تسير من حوله، لكنه لا يسير معها.

في إحدى الليالي، عاد إلى منزله متأخرًا، ألقى بجسده على فراشه، وأغمض عينيه. 

لكنه لم يستطع النوم. 

كان هناك صمت غريب يخيّم على الحي. حتى صوت القطط في الأزقة خفت. 


فجأة، سمع صوت الأذان يخترق السكون. لم يكن أذان الفجر ككل يوم؛ كان له وقع مختلف، كأن الصوت ينساب في قلبه مباشرة.

نهض من سريره ببطء، فتح النافذة، فرأى الشوارع هادئة إلا من بضع رجال يسيرون نحو المسجد. رأى وجوههم مطمئنة، خطواتهم ثابتة. شعر بشيء يشده للنهوض. خرج من المنزل، واتجه للمسجد بخطى مترددة. جلس في الصف الأخير، استمع لآيات القرآن، وشعر بقلبه ينبض على إيقاع الكلمات.


بعد الصلاة، جلس على العتبة خارج المسجد، وعيناه تائهتان في الفراغ. بجواره، جلس شيخ مسن، نظر إليه وقال بابتسامة هادئة:
— "هل تعلم أي شهر نحن فيه يا بني؟"
أجابه عبد الجليل دون تفكير:
— "شهر أبريل… أو ربما مايو… لا أدري."
ابتسم الشيخ وقال:
— "نحن في رمضان."
— "رمضان؟"
— "نعم، شهر الرحمة والمغفرة… شهر يبدأ فيه الإنسان من جديد."
كأن كلمة "رمضان" اخترقت قلبه. تردد صداها في داخله، شعر وكأن شيئًا كان ضائعًا في روحه قد عاد إلى مكانه.


عاد إلى بيته تلك الليلة مختلفًا. في اليوم التالي، استيقظ قبل الفجر، توضأ، ثم جلس ينتظر الأذان. حين سمعه، ارتدى ملابسه النظيفة، وذهب إلى المسجد. صلى بخشوع لم يعتده، وعند الإفطار، جلس بهدوء، تناول التمر والماء، ثم رفع يديه بالدعاء.


أدرك عبد الجليل أن رمضان لم يكن مجرد شهر صيام، بل كان فرصة لترتيب حياته. بدأ يشعر أن الأيام لها معنى، أن خطواته لها وجهة. صار يخطط ليومه، يحاسب نفسه، ويمنح من وقته للآخرين. الفوضى التي كانت تحيط به بدأت تتلاشى، وكأن رمضان كان يعيد ترتيب داخله قبل خارجه.\


ذات يوم،  مرّ طفل صغير بثياب بالية، يمد يده طلبًا للطعام. أخرج عبد الجليل ورقة مالية من محفظته، أعطاها للطفل وسأله:
— "ما اسمك يا بني؟"
أجاب الطفل بخجل:
— "رمضان."
ابتسم عبد الجليل، وربت على رأسه قائلاً:
— "إذن، يا رمضان… ستتعلم أن رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام، بل هو صيام عن الفوضى، عن الخوف، عن التشتت… وسترى أنك إذا تعلمت ذلك، فسيصبح رمضان معك طوال العام."


فهم عبد الجليل أن رمضان لم يكن شهرًا يعبر في أيام معدودة… لقد كان بداية جديدة.



حميد الع.


تعليقات