لم أتخيل يومًا أن رغيف خبز ساخن يمكن أن يتحول إلى سبب لمطاردة
حقيقية في أزقة الحي.
ولا أن تلك المطاردة القصيرة ستجعلني أتوقف
فجأة… وأفهم شيئًا لم أفهمه من قبل.
في ظهيرة يوم صيفي هادئ، أرسلتني أمي إلى الفرن القريب من بيتنا.
قالت وهي تعطيني قطعة قماش صغيرة:
— أسرع قبل أن يبرد الخبز.
كان الفرن في آخر الزقاق، وكان الناس يقفون أمامه ينتظرون دورهم، بينما
تتصاعد من داخله رائحة الخبز الساخن التي تجعل المعدة تستيقظ حتى لو لم تكن
جائعة.
بعد دقائق خرجت أحمل رغيفين كبيرين يطلقان بخارًا خفيفًا كأنهما
للتو خرجا من حلم دافئ.
كنت أسير ببطء… أستمتع برائحة الخبز، وأفكر في قطعة الزيت والزيتون التي
سنأكلها معه عند الغداء.
لكن قبل أن أصل إلى منتصف الطريق…
حدث ما لم أتوقعه.
من خلف سور قصير قفزت قطة رمادية بسرعة خاطفة،
مدت رأسها بين يدي، وخطفت أحد الرغيفين، ثم هربت
به كأنها لص محترف.
وقفت لحظة مذهولًا.
ثم ركضت خلفها.
كانت القطة تقفز بين الأزقة الضيقة بخفة، وأنا أركض خلفها وأنا أضحك
أحيانًا وألهث أحيانًا أخرى.
مرة تختبئ خلف صندوق خشبي،
ومرة تقفز فوق حجر مرتفع،
ومرة تلتفت نحوي كأنها تقول:
"إن استطعت فامسك بي!"
استمرت المطاردة دقائق قليلة… لكنها بدت لي أطول بكثير.
وأخيرًا توقفت القطة عند زاوية هادئة خلف منزل قديم.
اقتربت ببطء، مستعدًا لاسترجاع الرغيف.
لكنني حين نظرت جيدًا… توقفت في مكاني.
خلف القطة ظهرت ثلاثة هريرات صغيرة بالكاد تمشي.
كانت تنتظرها.
وضعت القطة الرغيف على الأرض، وبدأت تمزقه بأسنانها،
ثم تركت الفتات للصغار الذين اندفعوا يأكلونه
بشراهة.
وقفت صامتًا.
مددت يدي… ثم سحبتها.
لم أسترجع الرغيف.
عدت إلى البيت وأنا أحمل رغيفًا واحدًا فقط.
سألتني أمي بدهشة:
— أين الرغيف الثاني؟
ابتسمت وقلت ببساطة:
— ضاع في الطريق.
لكن الحقيقة أن ذلك الرغيف لم يضِع…
بل وجد طريقه إلى معدةٍ كانت أكثر جوعًا مني.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت قرب الفرن وشممت رائحة الخبز الساخن…
أتذكر تلك المطاردة الصغيرة.
وأبتسم.
حميد الع.

الطفولة البريئة
ردحذف