القائمة الرئيسية

الصفحات

 

داخل عربة مترو شبه مظلمة، يجلس رجل بملامح متعبة، كأن الأيام مرّت عليه أثقل مما ينبغي. أمامه مباشرة، تحمل امرأة لوحةً لوجهٍ جميل؛ امرأة أخرى تنظر من الورق بثقة وهدوء، بعيدة عن صخب العالم الحقيقي. يتقاطع المشهد بين حقيقتين: واقعية الرجل المثقل، وصورة مثالية تُمسكها يد لا نرى منها سوى ظلها. الضوء الخافت ينساب فوق الوجوه، فيُبرز التناقض بين التعب والحلم، بين ما نعيشه وما نرغب أن نراه.


في ساعةٍ متأخرةٍ من المساء، كانت الحافلة شبه فارغة، تهتزّ على إيقاع طريقٍ متعبٍ لا ينام.

 جلستُ في المقعد الخلفي، أراقب الفراغ الممتد أمامي، إلى أن صعدتْ هي من محطةٍ لا أتذكر اسمها، لكنني أيقنت أنها محطةٌ تخصّ الحكايات الثقيلة.


تقدّمت ببطء، ثم وقفت قرب العمود المعدني، تمسك به كأنها تخشى السقوط من داخلها لا من الحافلة. 

كان رأسها منحنياً قليلاً، وكتفاها مثقلين بشيء لا يُرى. عندها فقط، انتبهتُ.

لم يكن بيني وبينها أحد.


رفعتُ عينيّ نحوها، فتبدّد ما حولي، وبقيت هي وحدها في المشهد. 

جمالها لم يكن عادياً، بل كان من ذلك النوع الذي يوقظ في النفس رغبةً غامضة في الاقتراب... أو في التخريب.


قلتُ في سرّي، كأنني أخاطبها:


منذ صعودك، وأنتِ تتنهدين… لمَ كل هذا الشقاء يا سيدتي؟

لم تجب، لكن الحافلة اهتزّت بعنف، فتمايل جسدها قليلاً. 

شدّت قبضتها على القضيب، ومع ذلك بدت كأنها ترقص رغماً عنها.

 راقبتُها طويلًا، واستمتعتُ بذلك التوازن الهش بين سقوطٍ لا يحدث وثباتٍ لا يكتمل.


ابتسمتُ دون سبب واضح.

رفعتُ بصري نحو عينيها، وتخيّلتُ لو أن نظرتي وحدها كفيلة بتحطيم ما تبقّى من أحلامها. فكرةٌ صغيرة، لكنها كانت تمنحني نشوةً غريبة. 

كنتُ أراها تهرب مني، تتمنى لو أن شيئاً ما—ربما جناحين—يحملها بعيداً عن هذا المكان، عني… عن نفسها.


قلتُ لها بصمتٍ أثقل من الكلام:
ما جدوى البكاء؟ لن يردّ عنكِ ما فقدتِ.

لم تتحرك. لم تعترض.


ازداد المشهد غرابةً كلما أطلتُ النظر. كانت، في عينيّ، تتحول من امرأة واقفة في حافلة إلى حكايةٍ كاملة، إلى عمرٍ انقضى تحت وطأة شيءٍ قاسٍ. 

خُيّل إليّ أنني أعرفها، أعرف ماضيها، وأكاد ألمس ذلك الصوت الخافت الذي يسكنها ويزعجني… كأن بيني وبينه عهداً قديماً.



ازدادت الحافلة اهتزازاً، وازددتُ اقتراباً منها بعينيّ فقط. 

قبعتها السوداء الطويلة كانت تحجب جزءاً من ملامحها، كأنها تتعمّد الاختباء… أو كأنها تعرف أنني أراها أكثر مما ينبغي.


كنتُ أكلّمها، أعاتبها، أقسو عليها… ثم أطلب منها أن تُشفق عليّ أنا.

لستُ أدري متى بدأ ذلك.

ربما منذ أدركتُ أنني لم أعد أسمع شيئاً في هذا العالم… إلا حضورها.


أنا مريض، قلتها في داخلي بوضوح هذه المرة، مريض بكِ… أو بما أظنه أنتِ.

فجأة، توقفت الحافلة.

رفعتُ رأسي.


كان بعض الركاب ينتظرون في المحطة، ضجيجهم خفيف لكنه كافٍ ليكسر ذلك العالم الذي كنتُ فيه.

 تحرّكت المرأة التي أمامي قليلاً… أو هكذا خُيّل إليّ.

ثم رأيت الحقيقة.

لم تكن هناك امرأة.


كانت مجرد صورةٍ لعارضة أزياء على غلاف مجلة، تمسكها راكبة تجلس في المقعد الأمامي، وقد أخفتها زاوية جلوسي طوال الوقت، حتى بدت لي كأنها تقف.


حدّقتُ في المجلة طويلاً.


ابتسمتُ… ابتسامةً باردة.


وأدركتُ أخيراً أن نصف الحوار فقط كان حقيقياً.


أما النصف الآخر… فكان أنا.


حميد الع.

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق