القائمة الرئيسية

الصفحات





خرجتُ ولم ألتفت كثيرًا، ليس لأنني شجاع، بل لأن الالتفات كان سيكسرني.

كنت أعلم أني مسافر، لكني لم أكن أعلم أنني أترك خلفي أكثر مما أحمل معي. وسيلة الرحيل لم تكن مهمة؛ مقعد ضيّق، نافذة باردة، واهتزاز خفيف يذكّرني أنني أبتعد، فقط أبتعد.


كنت ذاهبًا لأدرس، أو لأعمل، أو لأصنع لنفسي مستقبلًا يُقال عنه لاحقًا إنه “أفضل”. هكذا قيل لي، وهكذا صدّقت. لكن قلبي لم يكن مشغولًا بما ينتظرني، بل بما أتركه دون أن أملك حق الاحتفاظ به.


أغمضت عينيّ، فحضرت الوجوه دفعة واحدة.
خلاني… ضحكاتهم التي لا تحتاج سببًا، أحاديثهم البسيطة التي لم أكن أعلم أنها ستصبح لاحقًا أثمن من أي إنجاز.

 أسرتي… تفاصيلهم الصغيرة، أصواتهم في البيت، نظراتهم التي كانت تطمئنني دون كلام. حيّنا… الشوارع التي عرفت اسمي قبل أن أعرف نفسي، الجدران التي حفظت أسراري، وأصدقاء الطفولة الذين كبرنا دون أن ننتبه متى حدث ذلك.

قلت في نفسي: سأعود.
لكن شيئًا ما بداخلي كان يعرف أن العودة لا تعني الاسترجاع.

كلما تقدّمت المسافة، شعرت أنني أنفصل عن نسخة قديمة مني. لم يكن الانفصال مؤلمًا دفعة واحدة، بل تدريجيًا، مثل خيط يُسحب ببطء من القلب.

 حاولت أن أشغل نفسي بما ينتظرني: لغة جديدة، وجوه غريبة، نظام مختلف، إيقاع لا يشبهني. تعلمت أن أبتسم، أن أبدو منسجمًا، أن أقول “أنا بخير” بإتقان.


لكن في الليل، حين يهدأ كل شيء، كنت أفتقد أشياء لم أكن أظنها يومًا ذات قيمة: صوت يناديني باسمي دون لقب، جلسة عادية بلا هدف، ضحكة أعرف مصدرها قبل أن أسمعها. كنت أشتاق دون أن أجد كلمة واحدة تشرح هذا الشعور.


فهمت متأخرًا أن السفر ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل اختبار صامت للانتماء.

أنك حين تبتعد، تكتشف حجم ما كان يسكنك دون أن تشعر. وأنك مهما حاولت بناء نفسك من جديد، ستظل تحمل داخلك حيًّا كاملًا، وناسًا، وطفولة لا تشيخ.


ومع ذلك، لم أندم.
لأن هذا السفر كان ينتظرني، كما ينتظر الجميع. آجلاً أو عاجلاً، سنُدفع إلى الرحيل، لنتعلّم، لنتغيّر، ولنفهم أن الحياة لا تمنحنا كل شيء في مكان واحد.


اليوم، وأنا أمضي قُدمًا، أعلم شيئًا واحدًا:
لم أكن وحدي في هذه الرحلة.
كل من سيقرأ هذه الكلمات، سيجد نفسه هنا، مكاني تمامًا.

لأن السفر ليس قصتي أنا،

إنه قصتنا جميعًا.

حميد الع.

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق