لم أكن أعلم أنني سأفقد كل شيء في لحظة… إلا دراجتي الزرقاء. كانت تقف وحيدة في الزاوية، وكأنها تقول لي: "أنا لن أتركك مهما حدث."
في صباحٍ هادئ، كان صوت جرس الدراجة الزرقاء يتردد في أزقة الحي كما
لو كان يهمس:
"أنا هنا… لم أغادر أبداً."
كانت الدراجة
الزرقاء أكثر من مجرد وسيلة نقل.
كانت
صديقتي الأولى، ومرآة طفولتي، وصندوق
أسراري، وشريكتي في كل
مغامرة صغيرة
أتذكر أول مرة ركبتها. كنت لم أبلغ الثامنة بعد، ويداي ترتجفان على المقود،
وقلبي ينبض أسرع من كل شيء آخر.
كانت الأمواج الصغيرة على الطريق أمام البيت
تبدو أشبه بالتحديات الكبرى التي كنت أحلم بمواجهتها.
الدراجة لم تتركني أسقط، ولو مرة واحدة.
علمتني أن أوازن بين الخوف والشجاعة… وأن أستمر
حتى عندما ترتجف الأرض تحت قدميك.
مرت السنوات، وتغيرت كل الأشياء من حولي.
أصدقاء المدرسة الذين كانوا يركضون معي على
الرصيف ابتعدوا.
الجدران القديمة التي عرفت خطواتي الصغيرة أصبحت
غريبة.
لكن الدراجة الزرقاء بقيت كما هي… صامدة.
كل خدش فيها كان حكاية، وكل دوّاسة تحمل ذكرى.
كنت أركبها في الصباح الباكر إلى المدرسة، وفي المساء لأستكشف الأزقة
القديمة.
في كل مرة أدير المقود، كانت تسمع همومي، فرحي،
وحتى أسراري التي لم أجرؤ على إخبار أحد بها.
وذات يوم، وأنا أقودها على الطريق الخالي، شعرت بشيء مختلف.
كان الهواء يلاعب وجهي وكأنني أركب عبر الزمن.
كل لحظة قضيتها معها، كل ضحكة وكل سقوط، كلها
تجمعت في شعورٍ واحد:
الأمان… حتى لو كان العالم كله يتحطم حولي.
كبرت، وصار لدي عمل ومسؤوليات.
وبعض الأيام، كنت أتأمل الدراجة في السطح أو في
المخزن، وأشعر بعجبٍ غريب:
أن شيئاً بسيطاً، معدني اللون وأزرق بالكامل،
استطاع أن يبقى جزءاً مني أكثر من بعض البشر الذين مروا في حياتي.
وفي نهاية كل يوم، حين أضع قدمي على الأرض بعد ركوبها، أدركت حقيقة بسيطة:
الدراجة ليست مجرد وسيلة للتنقل،
هي صديقتي التي علمتني الصبر، الشجاعة،
والإصرار، وذكرتني أن بعض الأشياء في حياتنا… تبقى معنا، مهما تغير كل شيء.
اليوم، بعد سنوات، ما زلت أركبها.
الدراجات الجديدة تظهر كل يوم… لكنها لا تعرف
كيف تحمل ذكرياتك.
لا تعرف كيف تكون صديقة صامتة، صامدة، ووفية كما
كانت دراجتي الزرقاء.
وبينما الشمس تغرب في شارع الحي القديم، أبتسم…
لأنني أعلم أن بعض الأشياء، مهما كبرنا
وتغيرنا، تبقى معنا، تحملنا، وتخبرنا أننا لم نفقد كل شيء بعد.
حميد الع.
دراجة زرقاء قديمة في شارع هادئ، تظهر
عليها آثار الاستخدام وكأنها تحمل ذكريات عمره كله.

نعم كانت عندي أنا أيضا و لونها أزرق
ردحذف