القائمة الرئيسية

الصفحات

 





في طرف القرية، حيث تنتهي الطريق المعبدة ويبدأ الغبار، كانت تقوم بيوت من طين، متواضعة في شكلها، لكنها شامخة بشيء لا يُرى. جدرانها متشققة، نعم، لكنها كانت تحفظ أسرار الضحك، وتخزن دفء القلوب التي سكنتها.


هناك، عاش "ابراهيم".
لم يكن يملك الكثير، سوى سقف يرشح ماء في الشتاء، وأم تُخفي تعبها خلف ابتسامة، وأب يعود كل مساء بيدين متعبتين وقلبٍ ممتلئ بالرضا. كانوا يجتمعون حول مائدة بسيطة، خبز يابس وزيت زيتون، لكن حديثهم كان دسمًا بما يكفي ليشبع أرواحهم.


كان الجيران لا يطرقون الأبواب، بل يدخلونها. لا حاجة للاستئذان حين تكون القلوب مفتوحة. الأفراح تُقاسم، والأحزان تُوزّع حتى تخفّ.


وفي الجهة الأخرى، على بعد كيلومترات قليلة فقط، ارتفعت عمارات من إسمنت وحديد، تلمع واجهاتها كأنها تتباهى. شقق واسعة، نوافذ زجاجية، أثاث فاخر، وأبواب تُفتح بكلمات مرور.
هناك، كان يعيش "سليم".
كل شيء حوله كان كاملاً... إلا شيء واحد.


كان يعود إلى شقته الفاخرة، يضع مفاتيحه على طاولة باردة، ويجلس في صمتٍ أثقل من التعب. لا أحد يسأله كيف كان يومه، ولا صوت يملأ الفراغ. حتى الجدران، رغم صلابتها، بدت وكأنها لا تحفظ شيئًا.


في إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن الحيّ الفاخر. عمّ الظلام، وخرج السكان إلى الشرفات، مرتبكين، كأنهم فقدوا شيئًا أكثر من الضوء.
في تلك اللحظة، تذكّر سليم زيارة قديمة للقرية، حين كان طفلًا. تذكّر ضحكات بشير، ودفء موقد الطين، ورائحة الخبز.


في اليوم التالي، قاد سيارته نحو هناك.
حين وصل، لم يتغير شيء… أو ربما كل شيء. نفس البيوت، نفس الأرض، ونفس الوجوه التي ترحب دون سؤال.
رآه ابراهيم، فتقدم نحوه كأنهما لم يفترقا يومًا.


جلسا معًا، على حصير بسيط، يشربان الشاي. لا إنترنت، لا شاشات، فقط حديث صادق.
وفي تلك اللحظة، فهم سليم ما لم تفهمه سنوات من الرفاهية.
ليست البيوت من تصنع الدفء، بل القلوب التي تسكنها.
وقبل أن يغادر، نظر إلى جدران الطين، وابتسم.
لأول مرة، شعر أن شيئًا داخله... قد بُني من جديد.


سؤال للقارئ
حين تضع يدك على صدرك في صمت… هل تشعر بدفء بيتٍ يسكنك، أم بفراغٍ يشبه جدرانًا لا تعرفك؟

حميد الع.


تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. كل شيء يكون بدفء القلوب وبياضها ومرحها وحبها فالقلب هو من يصنع السعادة وليس البيوت

    ردحذف

إرسال تعليق