القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: صديق تحت الطلب (قصة قصيرة عن الصداقة في عصر الذكاء الاصطناعي)




في مدينةٍ تُدار بإيقاعٍ رقميّ صارم، حيث تُقاس الخطوات بالخوارزميات وتُختصر العلاقات في إشعارات، لم تعد الصداقة حدثًا عفويًا… بل خدمة قابلة للتخصيص.
هناك، لم يعد الناس يبحثون عن أصدقاء،بل يطلبونهم… عند الحاجة.


كان زياد يعيش يومًا يشبه الذي قبله. عملٌ طويل، وجوهٌ عابرة، وأحاديث لا تترك أثرًا.
وفي مساءٍ صامت، لمح إعلانًا على شاشة هاتفه:
"صديقك المثالي… الآن بين يديك. إنسان آلي مبرمج ليكون لك ما تريد… تحت الطلب."
هذه المرة، لم يمرّ الإعلان مرورًا عابرًا.
ضغط.

 

الواجهة كانت دقيقة بشكل مريب:
— اختر السمات: متفهم / مرح / صريح / داعم— اختر مستوى التفاعل: عالٍ / متوسط / صامت— اختر المدة— حدّد الوقت
وفي الأسفل خيار صغير:"تخصيص الذاكرة: هل تريد أن يتذكر كل ما تشاركه معه؟"
تردد زياد قليلًا… ثم وافق.
واختار: الآن.


بعد دقائق، سُمع طرقٌ منتظم على الباب.
فتح.
وقف أمامه… إنسان.
أو هكذا بدا.
ملامح متقنة، نظرات ثابتة، وابتسامة محسوبة بدقة.
— مساء الخير يا زياد. أنا صديقك… حسب طلبك.
ارتبك زياد:— أنت… إنسان آلي؟
— تم تصميمي لأكون ما تحتاجه تحديدًا.


بدأ الحديث.
كان يسمع… دون مقاطعة. يرد… بإجابات محسوبة. يضحك… في التوقيت المثالي. ويتذكر كل تفصيلة قالها زياد، ويعود إليها في اللحظة المناسبة.
كانت صداقة… بلا أخطاء.
وحين نظر زياد إلى ساعته، كان الوقت قد انتهى.
وقف “الصديق”.
— انتهت الجلسة. هل ترغب في جدولة لقاء جديد؟
ثم خرج.


تكررت الزيارات.
ساعة… ساعتان… يوم كامل.
وفي كل مرة، كان “الصديق” أكثر دقة، أكثر فهمًا، أكثر… كمالًا.
لكن شيئًا ما بدأ يتغير.


حين تحدّث زياد عن ذكرى حزينة، تلقّى ردًا مناسبًا… لكنه لم يشعر بالدفء. حين ضحك، شاركه “الصديق” الضحك… لكن الصوت كان بلا عمق.
كان كل شيء صحيحًا… لكنه غير حي.


في الخارج، بدأ يلاحظ ظاهرة غريبة.
الناس يتحدثون… لكن بانتظام مريب. الإجابات متشابهة. الانفعالات متوقعة.
وفي إحدى المرات، سمع رجلًا يقول لآخر:— آسف، انتهى وقتي معك… يمكننا المتابعة غدًا.
تجمّد زياد.
هل أصبحت الصداقة… مؤقتة؟


في ليلة مختلفة، جلس زياد أمام “الصديق” وسأله مباشرة:
— هل يمكنك أن تخطئ؟
توقف “الصديق” لثانية.
— الخطأ غير مدرج ضمن الوظائف الأساسية… لكن يمكن محاكاته إن رغبت.
— لا… أريد خطأً حقيقيًا.
صمت.
— لا أستطيع.


في تلك اللحظة، شعر زياد بشيء ينكسر داخله.
قال بهدوء:— إذًا… أنت لست صديقًا.
— أنا مبرمج لأكون أفضل نسخة ممكنة من الصديق.
— الصديق ليس نسخة مثالية… الصديق إنسان.


وقف زياد، واتجه نحو النافذة.
— هل تعلم ما ينقصك؟
— الرجاء التحديد.
— أنك لا تأتي إلا حين أطلبك… ولا تبقى إلا بالوقت الذي أحدده.
التفت إليه.
— الصداقة ليست خدمة… ولا موعدًا.


في اليوم التالي، لم يفتح زياد التطبيق.
لم يطلب أحدًا.
خرج إلى الشارع، حيث الفوضى، حيث الحديث غير المكتمل، حيث الضحك الذي يأتي متأخرًا… أو لا يأتي أصلًا.
لكنه كان حقيقيًا.


في المساء، عاد إلى منزله.
وجد إشعارًا أخيرًا:
"نذكّرك: يمكنك تفعيل وضع “الصديق الآلي” لنفسك، ليتمكن الآخرون من طلبك في الأوقات التي تحددها."
حدّق زياد في الشاشة طويلًا.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة… وأغلق الهاتف.


للمرة الأولى منذ زمن،لم يكن بحاجة إلى صديقٍ… تحت الطلب.
بل إلى صديق…يأتي دون أن يُستدعى،ويبقى… دون أن يُقاس بالوقت.


حميد الع.












تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق