في مدينةٍ لا
تنام، مدينةٍ تتكدّس فيها الأجساد كما تتكدّس الإعلانات على الجدران، كان زياد
يعيش حياةً يعرفها جيدًا… وحياةً أخرى لا يعرف عنها شيئًا.
المدينة كانت
تشبه فمًا مفتوحًا على الدوام؛ تبتلع كل شيء: الأحلام الصغيرة، الأخلاق المتعبة،
وحتى الصمت. السرقة فيها عادية كتحية الصباح، الغش مهارة اجتماعية، المخدرات تُباع
كما تُباع الموضة، والسطو المسلح خبرٌ لا يستحق الوقوف عنده طويلًا. الناس يركضون
بلا وجهة، وكلٌّ يحمل قناعًا يناسب اللحظة.
زياد كان
واحدًا منهم، ظاهريًا فقط.
في حياته
الأولى، المعروفة، كان موظفًا عاديًا في شركة إعلانات، يستيقظ مبكرًا، يشرب قهوته
على عجل، يراقب الناس من نافذة الحافلة، ويعود مساءً إلى شقته الصغيرة في الطابق
الرابع. لا زوجة، لا أصدقاء حقيقيين، لا عداوات. رجل بلا حواف حادة، يمر في الحياة
دون أن يترك خدشًا.
أما حياته
الثانية، فكانت تبدأ حين ينام.
في الحلم، لم
يكن زياد موظفًا ولا مراقبًا صامتًا. كان شخصًا آخر، أكثر حدة، أكثر حضورًا. كان
سفّاحًا.
لا
يرى الدم عبثًا، بل كوسيلة. لا يسمع الصراخ، بل صدى داخليًا يهدأ بعد كل فعل. كان
يعرف الأزقة، يختار ضحاياه بعناية، ويختفي دون أثر. الغريب أن الأحلام لم تكن
مشوشة كما هي عادة الكوابيس، بل واضحة، متسلسلة، منطقية… كأنها ذكريات مؤجلة.
استيقظ أول مرة
وهو يضحك بسخرية:
"مجرد
ضغط نفسي"، قال لنفسه.
لكن في صباح
ذلك اليوم، وهو يربط حذاءه، سمع نشرة الأخبار من التلفاز القديم في الزاوية:
جريمة
قتل جديدة… نفس الأسلوب… نفس التوقيع الغامض… وسفاح المدينة ما زال طليقًا.
تجاهل الأمر.
تكررت الأحلام.
وتكررت
النشرات.
في كل مرة يرى
نفسه في المنام، كان يستيقظ ليجد المدينة قد سجّلت جريمة جديدة مطابقة لما رآه.
التفاصيل الصغيرة كانت هي الأخطر: مكان الجريمة، توقيتها، وحتى وضعية الجسد. بدأ
القلق يتسلل، لا كخوفٍ صريح، بل كحشرةٍ تحفر ببطء في الرأس.
صار يتجنب
النوم.
يسهر
حتى الفجر.
لكن
الأحلام كانت تلحق به، أقصر… أسرع… وأكثر كثافة.
وفي أحد
الأيام، دخل مطعمًا صغيرًا اعتاد الأكل فيه، مطعم بلا اسم، بطاولات مهترئة ورائحة
زيت قديم. جلس ينتظر طلبه، حين انقطع صوت الأغاني فجأة، وظهر شريط أحمر عاجل على
شاشة معلقة:
"نشرة مستعجلة…
آخر المعلومات حول سفاح المدينة."
رفع زياد رأسه
بلا اهتمام حقيقي، لكنه تجمد عندما قالت المذيعة بصوت جاف:
"وتحصلنا
منذ قليل على صورة تقريبية يُرجّح أنها تعود للجاني."
ظهرت الصورة.
لم تكن واضحة.
وجهٌ
خمسيني، ملامحه مطموسة، شعره خفيف، عيناه غارقتان في ظلٍ ثقيل.
لكن زياد تعرّف
عليه فورًا.
لم يحتج إلى
مقارنة.
لم
يحتج إلى وقت.
كان يعرف ذلك
الوجه… لأنه يراه كل صباح في المرآة.
خرج من المطعم
دون أن يكمل وجبته. الشارع بدا أطول من المعتاد، والمدينة أعلى ضجيجًا، كأنها
تضحك. صعد إلى شقته، أغلق الباب بإحكام، وأسند ظهره إليه. أنفاسه كانت بطيئة على
غير المتوقع، كأن عقله بدأ يعمل ببرودٍ مخيف.
جلس، وبدأ
التحليل.
راجع تواريخ
الجرائم.
راجع
أحلامه.
قارن
التفاصيل.
لاحظ
الفراغات الزمنية في ذاكرته، الصداع المفاجئ، الإحساس بالإرهاق دون سبب.
لم يكن هناك شك.
لم يكن يعيش
حياتين منفصلتين…
بل
حياة واحدة بوجهين.
هو لم يكن يحلم
بأنه سفاح.
هو
كان يتذكر.
وقف أمام
المرآة طويلًا. لم يرَ وحشًا، بل رجلًا عاديًا، وهذا ما كان مرعبًا. الفضيحة لم
تكن في الجريمة، بل في انكشاف العاديّ خلفها. تخيّل اسمه في العناوين، صورته في
النشرات، همسات الزملاء، نظرات الشفقة والاشمئزاز.
الخوف لم يكن
من السجن…
بل
من أن يُعرف.
في تلك الليلة،
لم ينتظر حلمًا.
كتب رسالة
قصيرة، بلا اعترافات، بلا تبرير. مجرد جملة واحدة:
"كنت
أظنني أعرف نفسي."
وفي الصباح،
أُعلنت وفاته كحادث انتحار لرجل يعاني من اكتئاب حاد.
لكن المدينة لم
تهتم طويلًا.
بعد
أيام، بثّت القنوات خبرًا جديدًا:
جريمة
أخرى… بنفس الأسلوب… بنفس التوقيع.
وسقط السؤال في
صمتٍ ثقيل:
هل
مات السفاح؟
أم
أن المدينة لا تحتاج إلا إلى من ينام… ليواصل ما بدأه؟
حميد الع.

👌👌👌👌
ردحذف