القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: "زوم… بقايا صوت بطل"




"ليس كل الأبطال يُصفَّق لهم… بعضهم يُنسى، ويُترك على الرصيف يطلق صفارته بدل أن تُرفع له الأوسمة.
هذا ليس صوت صفير… هذا ما تبقى من رجل دفع حياته ليمنح الحياة لغيره."

هو حارس موقف السيارات بأحد شوارع المدينة القديمة التي تقل فها الحركة و التجوال . تراه بسترته المشعة ذات اللون البرتقالي من بعيد ، لا تخطئه العين لا في الليل و لا في النهار .

يتنقل من رصيف إلى آخر على كرسيه المدولب ، و في يده صفارته و مصورته التي يعرفه بها من يسكن بالقرب من موقف السيارات الذي يحرسه .

الحارس "مختار" ، يلوك الكلام و لا يلفظه .. يحرس السيارات بتفان ، و أما الزبائن الممتنعون عن الأداء ، فيتبعهم بكرسيه المتحرك حاملا مصورته و هو يصدر صوتا يعرفه الكبير و الصغير : < زوم .. زوم > < زوم .. زوم >.

لم يكن هكذا من قبل ، لقد كان جنديا يحرس الحدود ، كان محبا  لوطنه يخدمه بكل مشاعره و أحاسيسه ، كان يقول لأصدقائه دائما  : " الوطن أبي .. الوطن أمي .. الوطن ابني .. الوطن عائلتي .."

اعتاد "مختار"  أن يقضي عطلته السنوية مع والديه العجوزين الطاعنين في السن .

مرة  كان في الخارج مع أصحابه  ، و هو عائد إلى البيت ، رأى فتاة صغيرة تنفلت من  يدي أبويها لتعبر الطريق مسرعة ، في تلك اللحظة سمع من بعيد صوت انزلاق عجلات سيارة مسرعة ، ثم رأى الناس  بدهشة بالغة "مختار " و هو يلقي بنفسه أمام السيارة ليدفع الطفلة نحو جهة الرصيف لتنجو  بأعجوبة .

على جناح السرعة ، تم إيصال "مختار " البطل إلى المستعجلات لتلقي الإسعافات ، ليكتشف بعد ذلك أن عموده الفقري قد تضرر كثيرا و أنه أصيب بعاهة مستديمة  ، ستلزمه الفراش لمدة ليست بالقصيرة .                                              

فقد "مختار"  و  إلى الأبد الشعور برجليه ، لقد أصبح مشلولا ، و ليس هذا فقط،  بل و أيضا أخرسا ، فكلامه غير مفهوم، أصوات متقطعة مصحوبة بخروج  كثير من اللعاب من فمه، تجعل قلبك يلين لهذا الشاب  و ما آل إليه ، بعدما كان ينعم بوظيفة و قوة و عافية .

تألمت  لهذه القصة التي جعلت هذا الشاب يعاني كل هذه الآلام . صادفته عند المنعطف ، في الزاوية قرب بائع متجول ، نظرت إليه و جعلت في يده بعض النقود علها تخفف عنه قليلا و تعينه على مصروف ذلك اليوم ، نظر إلي مطولا ، كما لو أنه كان يتحدث ، و هو  فيما يشبه التفل  << زوم .. زوم >>

فهمت ..  يود  شكري لكن بما يستطيع نطقه ، و أنا بدوري فهمت حديثه ، انصرفت و  في نفسي شيء من هذه الحياة التي عاشها  هذا المخلص لوطنه  و إنسانيته .

كما لو أن الحياة أدارت له ظهرها ، أو أنه هو من كان يجلس و ظهره إليها .


حميد الع.



تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق